الغزالي
33
إحياء علوم الدين
حتى يرتفع الحجاب بلطف خفي من الله تعالى ، فيلمع في القلوب من وراء ستر الغيب شيء من غرائب العلم ، تارة كالبرق الخاطف ، وأخرى على التوالي إلى حد ما ، ودوامه في غاية الندور . فلم يفارق الإلهام الاكتساب في نفس العلم ، ولا في محله ، ولا في سببه ، ولكن يفارقه من جهة زوال الحجاب . فإن ذلك ليس باختيار العبد . ولم يفارق الوحي الإلهام في شيء من ذلك ، بل في مشاهدة الملك المفيد للعلم ، فإن العلم إنما يحصل في قلوبنا بواسطة الملائكة ، وإليه الإشارة بقوله تعالى * ( وما كانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَه ُ الله إِلَّا وَحْياً أَوْ من وَراءِ حِجابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِه ِ ما يَشاءُ ) * « 1 » فإذا عرفت هذا ، فاعلم أن ميل أهل التصوف إلى العلوم الإلهامية دون التعليمية ، فلذلك لم يحرصوا على دراسة العلم ، وتحصيل ما صنفه المصنفون ، والبحث عن الأقاويل والأدلة المذكورة ، بل قالوا الطريق تقديم المجاهدة ، ومحو الصفات المذمومة ، وقطع العلائق كلها ، والإقبال بكنه الهمة على الله تعالى . ومهما حصل ذلك ، كان الله هو المتولي لقلب عبده ، والمتكفل له بتنويره بأنوار العلم . وإذا تولى الله أمر القلب فاضت عليه الرحمة ، وأشرق النور في القلب ، وانشرح الصدر ، وانكشف له سر الملكوت ، وانقشع عن وجه القلب حجاب الغرة بلطف الرحمة ، وتلألأت فيه حقائق الأمور الإلهية . فليس على العبد إلا الاستعداد بالتصفية المجردة ، وإحضار الهمة ، مع الإرادة الصادقة ، والتعطش التام ، والترصد بدوام الانتظار لما يفتحه الله تعالى من الرحمة . فالأنبياء والأولياء انكشف لهم الأمر ، وفاض على صدورهم النور ، لا بالتعلم والدراسة والكتابة للكتب ، بل بالزهد في الدنيا والتبري من علائقها ، وتفريغ القلب من شواغلها ، والإقبال بكنه الهمة على الله تعالى . فمن كان لله كان الله له . وزعموا أن الطريق في ذلك أو لا بانقطاع علائق الدنيا بالكلية ، وتفريغ القلب منها ، وبقطع الهمة عن الأهل والمال والولد والوطن ، وعن العلم والولاية والجاه ، بل يصير قلبه إلى حالة يستوي فيها وجود كل شيء وعدمه ، ثم يخلو بنفسه في زاوية ، مع الاقتصار على الفرائض والرواتب ويجلس فارغ القلب ، مجموع الهم ، ولا يفرق فكره بقراءة قرآن ، ولا بالتأمل في تفسير ،
--> « 1 » الشورى : 51